التعليم في سياق الأزمات: “كيف يمكن لمعلّم فقدَ الأمل أن يعلِّم طلّابه الأمل؟!

 

إذا اعتبرنا أنّ التعليم بأبعاده المختلفة عمليّة بنائيّة وتفاعليّة ترتكز إلى إطار اجتماعيّ- ثقافيّ محدّد، فكيف نعلّم إذًا في سياق الحرب أو الأزمات؟ يتناول المقال هذا الموضوع من وجهة نظر المعلّمين والمعلّمات، ويعرض تجاربهم التعليميّة والتربويّة في سياق الأزمات في لبنان. فمن المعروف أنّ التغيّرات التي تحدثها الحروب لها تأثيرها، ليس في تطوير المجتمعات واستقرار الأفراد فيها وحسب، بل في النظم التعليميّة ودور المدارس ومهمّاتها، ومهمّات المعلّم واحتياجاته واحتياجات الطلّاب واهتماماتهم وتطلّعاتهم أيضًا. وغالبًا ما يكون المعلّم في الصفوف الأماميّة لدعم العمليّة التعليميّة من دون أن يحصل بالضرورة على مؤازرة ومساندة وتطوير مهنيّ لتسهيل مهمّاته في سياق يتّسم بتحدّيات استثنائيّة، ولا سيّما لناحية دعم الطلّاب، لما قد يعانونه من فقدان وصدمات وغياب دافعيّة التعلّم. لكن، ماذا لو كان المعلّم بدوره نازحًا، يعيش ظروفًا حياتيّة غير مستقرّة في البلد المضيف؟ وماذا لو كان البلد المضيف يعاني بدوره أزمةً؟ كيف نعلّم في سياق، أقلّ ما يُقال عنه، أزمة داخل أزمة؟  

حول البحث المستنِد إليه المقال

يرتبط هذا المقال بسياق الأزمات في لبنان: الأزمة الاقتصاديّة والسياسيّة التي يعيشها البلد مع كلّ تبعاتها، وأزمة النزوح والتحدّيات التي يواجهها الطلّاب النازحون إلى لبنان. والمقال مُستوحى من بحث حول تعليم الطلّاب النازحين السوريّين في لبنان، أجري سنة 2021 مع عشرة مشاركين: ثلاث معلّمات وخمسة معلّمين نزحوا من سوريا إلى لبنان بعد الحرب، ومعلّمتين لبنانيّتين. وكانوا يدرّسون في مدارس ابتدائيّة ومتوسّطة، رسميّة وخاصّة، أنشئت للطلّاب النازحين السوريّين بعد الحرب، داخل المخيّمات أو خارجها، أو في مدارس مختلطة يتعلّم فيها الطلّاب النازحون وأقرانهم اللبنانيّون. طُلِب إلى المشاركين العشر في البحث، سردُ موقف أو تدخّل تعليميّ، شكّل تحدّيًا لهم وأثّر في خبراتهم المهنيّة، وارتبط بطالب نازح أو بطالبة نازحة من سوريا. بُنِي ما يسمّى بقصّة الممارسة، والتي توثّق ممارساتهم وتدخّلاتهم التعليميّة والتربويّة، فضلًا عن آرائهم التي عبّروا عنها حول موضوعات مختلفة.  

نعرض في ما يلي أربعة مجالات مرتبطة ببعض النتائج التي حصلنا عليها بعد تحليل القصص العشر، ولا سيّما تلك التي تتناسب وملف هذا العدد من منهجيّات، وفق محوري الممارسات التعلّميّة – التعليميّة الاستثنائيّة في زمن الحرب، والتعامل مع المناهج.

ومن المهمّ الإشارة إلى أنّ ما نعرضه في هذا المقال لا يهدف إلى تبيان طرق التدريس الفعّالة، بل إلى نقل صوت المعلّمين والمعلّمات للحديث عن ممارساتهم التعليميّة والتربويّة التي يرونها داعمة لطلّابَهم، ضمن الظروف التي يعيشونها وطلّابهم، ويعملون فيها، من دون تأطير هذه الممارسات وقولبتها في إطار تحليل الممارسات الفعّالة. نستخدم في ما يلي أسماءً مستعارة أُعطيت للمشاركين والمشاركات أثناء المقابلات. 

المرونة في استخدام المنهج وربطه باحتياجات الطالب وبيئته 

من الضروريّ الإشارة إلى أنّ المنهج التعليميّ المستخدَم لتعليم الطلّاب النازحين السوريّين هو المنهج اللبنانيّ، من دون أن تعدّل عليه الجهات الرسميّة في لبنان شيئًا. تحدّث المعلّمون والمعلّمات عن مرونتهم في استخدام المحتوى التعليميّ بهدف تطوير معارف طلّابهم النازحين المرتبطة ببلدهم الأمّ والمحافظة على الهويّة والعادات والتقاليد السوريّة، ولا سيّما الطلّاب الذين وُلدوا في لبنان، ولم تسنح لهم الفرصة بعد لزيارة سوريا. يقول عادل مثلًا إنّه حوّل درس “بلدي لبنان” إلى “بلدي سوريا”، حتّى يجد الفرصة للحديث عن العادات السوريّة والتاريخ والجغرافيا. وتحذو رانيا حذوًا نعتبره أكثر شموليّة، إذ تصرّ على تعريف الطلّاب بثقافة البلد المضيف، بالإضافة إلى المعلومات والأنشطة المرتبطة بسوريا، والتي تضيفها إلى المحتوى التعليميّ. فهي تعزِّز اندماج طلّابها الثقافيّ بدمجهم في المجتمع اللبنانيّ من ناحية، وتعريفهم بثقافتهم الأمّ من ناحية ثانية. فبالنسبة إليها “استخدام المنهج اللبنانيّ لا يؤثِّر سلبًا في الطلّاب، بل يساعدهم على الاندماج في المجتمع”. فإن طلبت إلى طلّابها وصف مدينة أو مكان محدّد في لبنان، تذكر لهم مكانًا مشابهًا في سوريا وتخبرهم عنه.  

تتجلّى هذه المرونة كذلك في موقف بعض المعلّمين والمعلّمات من التقييم. فاعتبر ناصر أنّ اختيار طرق التدريس والتقييم يجب أن تتلاءم مع السياق واحتياجات الطلّاب. ولهذا السبب، يستخدم الأغاني والألعاب في تدريسه وتقييمه من أجل إطلاق العنان لخيال الطلّاب، ويبتعد عن أساليب التقييم التقليديّة التي تضع الكثير من الضغط على الطلّاب، ولا سيّما في ظلّ ما يعانونه، مركِّزًا على فكرة تحفيز الطلّاب، تجنّبًا لتسرّبهم المدرسيّ.

من ناحية أخرى، اتّسم حديث المعلّمين والمعلّمات بنوع من الوعي الثقافيّ والاجتماعيّ تجاه طلّابهم، إذ ذكروا تنبّههم إلى ضرورة تقديم الكثير من الإيضاحات لشرح الموضوعات التي لا ترتبط بواقع حياة الطلّاب، وتعديلها إن اقتضت الحاجة، لربطها ببيئتهم. مثال ذلك، حوّلت معلّمةٌ نشاط وصف المنزل إلى نشاط وصف الخيمة، ليكون قريبًا من واقع الطلّاب، بينما أصرّت معلّمة أخرى على إبقاء النشاط كما هو، واستخدمت صورًا لتوضيحه حتّى تحفِّز خيال الطلّاب وتشجّعهم على الوصف. وفي الحالتين، شرحت المعلّمتان، رانيا وعفيفة، التحدّي النفسيّ الذي يواجهه الطلّاب نتيجة عدم ملاءمة المنهج لواقعهم الحياتيّ والاجتماعيّ، وذلك عندما يُطلب إليهم، مثلًا، وصف المكان الذي يعيشون فيه أو زيارة الأقارب التي لم تسنح لهم الفرصة للتعرّف إليهم، أو الحديث عن أنواع معيّنة من الأطعمة ليس بمقدورهم تناولها. 

التعامل مع ظاهرة العنف 

من الواضح أنّ العنف، بوصفه ظاهرة تتشكّل نتيجة عوامل اجتماعيّة واقتصاديّة وسياسيّة، شقّ طريقه إلى سلوكيّات بعض الطلّاب، وهذا ما أعرب عنه معظم المعلّمين والمعلّمات. ومن اللافت هنا اتّسام حديثهم حول هذا الجانب بنوع من التفهّم لسلوكيّات الطلّاب والظروف التي أنتجتها، من دون إقصائهم أو تهميشهم. وكأنّهم يرونهم ضحايا ظروف حياتيّة واجتماعيّة وتربويّة تتّصف بالعنف والظلم وانعدام المساواة. يعتبر علي أنّ المسؤوليّة تقع على عاتق المعلّم لتطوير استراتيجيّات ومواقف تعليميّة لتربية الطلّاب على اللاعنف والتأثير فيهم تأثيرًا إيجابيًّا، ويشير إلى أنّهم يهتمّون بالظروف المحيطة بالطالب في المدرسة، آخذين في الاعتبار البيئة التي ينمو فيها. كما شرح علي أنّه يحاول خلق مساحة آمنة لطلّابه في الصفّ، حتّى لا يُعاد إنتاج العنف الاجتماعيّ، مؤكِّدًا أنّه يبحث عن الدافع وراء سلوك الطالب العنيف، لحلّ المشكلة “من دون عنف”. ويذهب إلى أكثر من ذلك بالتنبيه إلى ضرورة توعية الطفل حول حقوقه واحترام حريّته ومكانته. من جهتها، شرحت أيان تدخّلها نتيجة تصرّف عنيف قام به أحد طلّابها تجاه الآخرين، حيث عرضت في اليوم التالي فيديو توعويًّا عن موضوع العنف وأدارت نقاشًا حوله مع الطلّاب، وذكرت أنّها كانت تعي أنّ هذا الطالب يعكس العنف الذي يُمارس عليه في المنزل والمجتمع. 

دعم الطالب النفسيّ والعاطفيّ والاجتماعيّ وبناء علاقة إيجابيّة معه 

من الملاحظ أنّ ماهيّة العلاقة مع الطلّاب أخذت شكلًا مختلفًا في سياق الأزمات تخطّى البعد البيداغوجيّ البحت إلى بعد أكثر إنسانيّة. أجمع المعلّمون والمعلّمات على أهمّيّة تقديم الدعم النفسيّ والعاطفيّ والاجتماعيّ للطالب، وبناء علاقة إيجابيّة معه. وكأنّ هذا الدعم أصبح جزءًا لا يتجزّأ من التعليم، والهدف منه ليس زيادة دافعيّة الطلّاب للتعلّم واستقرارهم النفسيّ وحسب، كما هو متعارف عليه في مختلف الأدبيّات، بل التصدّي لظاهرة التسرّب المدرسيّ التي تقلِق المعلّمين والمعلّمات، ولا سيّما في ظلّ القوانين الرسميّة الإقصائيّة التي لا تحترم حقّ الطلّاب في التعلّم. فتحدّث بعض المعلّمين والمعلّمات عن تدخّلاتهم الدائمة تجاه طلّابهم لإقناعهم بعدم ترك المدرسة، وعن تأمين مساعدات لهم من مؤسّسات مانحة لتذليل بعض العقبات الاقتصاديّة. تخبرنا ريما، مثلًا، كيف استقبلت بصدمة وغضب خبر انقطاع واحدة من طالباتها عن المدرسة وقرار أهلها بترك المدرسة، لعدم اقتناعهم بأهمّيّة التعليم، بسبب الأزمة في لبنان. تقول إنّها أصرّت على التواصل بنفسها مع الأمّ بعد الدوام المدرسيّ، وناقشتها لفترة طويلة لتقنعها بضرورة العدول عن قرار ترك ابنتها المدرسة، حيث المجتمع، برأيها، “لا يحتاج إلى فتيات ضعيفات”.

تدعم رانيا طلّابها بمواساتهم لمنحهم الأمل: “أخبرهم أنّنا سنعود إلى بيوتنا يومًا ما.  فقول هذا النوع من الأشياء يمنحهم الأمل ويشجِّعهم على الاندماج والتفاعل. أشعر أنّ ذلك يرفع من معنويّاتهم. كما أعتقد أنّنا يجب أن نذكِّرهم بما كان لدينا من قبل، ونخبرهم أنّنا سنعود يومًا ما”. أمّا عفيفة فتخبرهم دائمًا أنّها مثلهم، تعيش في خيمة، حتّى لا تشعرهم بالخجل من ظروف حياتهم حسبما تقول. ويعتبر علي الذي يعي أنّ “السياق يتطلّب جهدًا مضاعفًا”، أنّ من أهمّ الأمور التي يجب أخذها في الاعتبار، لدعم الطلّاب نفسيًّا وعاطفيًّا، “حقيقة أنّ هؤلاء الطلّاب يعيشون في المخيّم […] في بيئة لا يستطيعون اللعب فيها”. لذلك، يحاول تعويضهم هذا الجانب باستخدام استراتيجيّات تدريس قائمة على اللعب. كما يعتقد عادل بضرورة فهم احتياجات الطلّاب وحالتهم الاجتماعيّة وخبراتهم الحياتيّة، معتبرًا أنّ المعلّمين والمعلّمات يجب أن يتحلّوا بكثير من المشاعر الإنسانيّة، وأن يتعرّفوا إلى خلفيّات الطلّاب لتعديل ممارساتهم. ويذهب ناصر في الاتّجاه ذاته، مشيرًا إلى أهمّيّة التعرّف إلى ظروف الطلّاب المعيشيّة، وحالاتهم المرضية التي لم يخبر الأهل المدرسة عنها. من جهتها، تعتمد مروة على الحوارات الجماعيّة والفرديّة مع طلّابها، لتذليل العقبات التي تواجههم، ولا سيّما التوتّر داخل الصفّ، والذي قد ينتج عن مواقف وآراء سياسيّة، أو عن عنصريّة تجاه فئات محدّدة منهم.  

وحرصًا على استقرار الطلّاب النفسيّ، تعاملَ المعلّمون والمعلّمات مع الموضوعات الحسّاسة في صفوفهم، وتناولوها تناولًا يختلف بين معلّم وآخر، كلّ حسب وجهة نظره. ونقصد هنا موضوعات مثل الموت والفقدان والهجرة والنزوح والاعتقال. فنرى أنّ مريدًا لا يناقش ذكريات الحرب مع الطلّاب، ولا سيّما تلك التي يمكن أن تكون لها آثار سلبيّة فيهم؛ فهو يخشى الحديث عن المعتقلين مثلًا، خشية أن يكون والد الطالب أو شقيقه معتقلًا. في المقابل، تناقش رانيا القضايا المحيطة بالحرب والموت والعودة، وتترك عفيفة مساحة لنقاش هذه الموضوعات إذا طرحها الطلّاب، من دون أن تطرحها بنفسها أو تتعمّق في النقاش. ومهما اختلفت طرق تعاطي المعلّمين والمعلّمات مع الموضوعات الحسّاسة، يبقى دافعهم الحفاظ على صحّة الطلّاب النفسيّة وفق ما يقولون.

تبيّن المجالات الثلاثة التي عرضناها تجارب المعلّمين والمعلّمات وممارساتهم المرتبطة بالبيئة الاجتماعيّة والثقافيّة والاقتصاديّة، وبكلّ ظروف الأزمة والنزوح. فتعكس بالتالي الدور الذي تبنّوه في هذا السياق، عن قصد أو عن غير قصد، دورًا أقلّ ما يُقال عنه إنّه متغيّر، واستثنائيّ، وغير تقليديّ، وهذا ما نعرضه سريعًا في المجال الرابع.

كيف يرى المعلّمون والمعلّمات دورهم في سياق الأزمات؟ 

يظهِر تحليل قصص ممارسات المعلّمين والمعلّمات، أنّ دورهم تطوّر واتّخذ شكلًا مختلفًا لا يقتصر على الجانب التعليميّ. تقول عفيفة إنّ دورها تغيّر أثناء تعليم الأطفال النازحين في لبنان، حيث أصبحت مرشدة ومعلّمة وطالبة وأمًّا، وتعتبر أنّ التدريس في مثل هذه الظروف علّمها الصبر والانفتاح والدعم. كذلك، شرحت رانيا دورها: “عليكِ أن تكوني صديقة وأمًّا حنونة”، وهي تركِّز على ضرورة أن يكون المعلّم على علم بحالة الطلّاب وبيئتهم الاجتماعيّة. من جهتها، تبوح مروة بشعورها أحيانًا بالضغط، إذ عليها أن تكون معلّمة ومرشدة وطبيبة نفسيّة أحيانًا. وتؤكّد أيان على مضاعفة جهودها: “أنا لا أدرِّس فقط؛ بل عليّ أن أحلّ المشكلات الاجتماعيّة أيضًا”. وهي تنصح أيّ معلّمة جديدة أن تتحلّى بالصبر. أمّا ريما فتعدّ دورها شبيهًا بدور الأم، وترى أنّ من مسؤوليّتها إعطاء طلّابها الأمل وتعليمهم التفكير الناقد، ليسهموا في عمليّة تغيير اجتماعيّ. بدوره، يعتبِر مُلهم أنّ دوره يكون في قدرته على “تقبّل كل شيء من الطلّاب” والتعامل معه.  

* * *

وأخيرًا، ماذا تخبرنا قصص ممارسات المعلّمين والمعلّمات عن تعاملهم مع الأزمة، وتفاعلهم مع الطلّاب؟ كيف انعكست ظروفهم الحياتيّة والاقتصاديّة والمهنيّة على أدائهم؟ “كيف يمكن لمعلّم فقد الأمل [كما أخبرتنا ريما] أن يعلّم طلّابه الأمل؟” وكيف يمكن للطلّاب التعلّم في ظروف صعبة كما تشرحها عفراء: “كيف يستطيعون [الأطفال] العيش في خيمة واحدة، أربعة أمتار بأربعة أمتار، ويستخدمون هاتفًا واحدًا؟ هذا الأمر يؤثِّر في تعليمهم”. وكيف يمكن لمعلمّ يعيش في مخيّم نازحين لا يحوي الحدّ الأدنى من أساسيّات الحياة ومقوّمات المهنة، أو حتّى في بلد يمرّ بأزمة خانقة، أن يسهم في نجاح طلّابه؟ ماذا يعني نجاح الطالب في سياق الأزمات؟

من الواضح أنّ للنجاح هنا شكلًا مختلفًا ارتكز إلى معانٍ جديدة لمفاهيم العدالة والمساواة والأمل والطموح، معانٍ أسهم المعلّمون والمعلّمات في قولبتها وتطويرها وإعطائها شكلًا من أشكال الصمود والتحدّي. وإذ أجمع المعلّمون والمعلّمات على الاهتمام بوضع الطلّاب التعليميّ والنفسيّ ومراعاة ظروفهم وأخذ احتياجاتهم بعين الاعتبار على الرغم من التحدّيات التي تحيط بظروفهم المعيشيّة والمهنيّة. أوحى هذا الدعم أحيانًا بنوع من التضامن مع الطلاّب والتماهي مع حالتهم ووضعهم، وكأنّهم مرآة نفوس المعلّمين والمعلّمات، وأدوات تحريرهم، وحلفاؤهم في مواجهة الواقع وإحداث التغيير: فهم يرون فيهم مستقبلًا أفضل للجميع حسب عفيفة، ومجتمعًا أقلّ ذكوريّة حسب ريما، وأقلّ عنفًا حسب علي، وأملًا بالعودة إلى سوريا حسب رانيا ومريد.

نختم بالإشارة إلى أنّ التعليم في الأزمات قد يغيّر هويّة المعلّم الشخصيّة والمهنيّة. كما يغيّر تصوّراته عن التعليم وعن العلاقة مع الطالب، إذ لا يحتاج هذا التعليم الاستثنائيّ من المعلّم أن يطوّر مهاراته ومعارفه وحسب، بل أن يقتنع بأهمّيّة دوره وبقدرته على تجسيده تجسيدًا مختلفًا، وعلى إحداث فرق على المدى البعيد. فالتعليم في هذا السياق، إذ يقع في إطار الفعل السياسيّ والتحرّريّ، يقوم على تحالفٍ بين عناصر المجتمع المدرسيّ، لتصبح المدرسة مكانًا آمنًا في زمن الأزمات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *